أكدت رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، أن السياسات الحمائية التي نشهدها اليوم بقوة تخلق فرصًا حقيقية لقارة أفريقيا، من خلال تشجيع الشركات على التحول وإعادة توطين أنشطتها داخل القارة، والاستفادة من العائد الديموغرافي الكبير في ظل ضخامة السوق، لا سيما ما يتعلق بالشباب الإفريقي، والمهارات المتاحة، والقدرة على دفع حدود التصنيع إلى الأمام عبر التكنولوجيا.
وجاء ذلك خلال مشاركتها في الجلسة التي عقدها معهد Brookings الدولي لإطلاق تقرير “مستقبل أفريقيا”، ومناقشة قضايا التجارة والتمويل ومستقبل اقتصاد القارة.
وذلك ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي – دافوس 2026، المنعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير، بمشاركة وامكيلي مين، الأمين العام لمنطقة التجارة الحرة القارية الافريقية، وعدد من المسئولين.
وأكدت الوزيرة أنه في الحالة المصرية فإن الاقتصاد المصري يتحول نحو نموذج اقتصادي يستفيد من البنية التحتية المتطورة التي تم تنفيذها على مدار السنوات العشر الماضية، لخلق اقتصاد أكثر تنافسية قادر على توفير فرص العمل، وتشجيع الصناعة والاستثمار والتصدير، موضحة أن التجارة البينية الإفريقية لا تزال تتراوح حاليًا بين 14% و17%، وهي نسبة منخفضة للغاية إذا ما قورنت بما نراه في الاتحاد الأوروبي.
وأشارت إلى أن نظام المدفوعات يلعب دورًا محوريًا لنجاح منظومة التجارة البينية، وفي هذا الصدد لابد أن نشيد بدور البنوك الإقليمية داخل القارة، بما في ذلك البنك الإفريقي للتنمية والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، الذي يقوم بدور محوري من خلال تقديم التمويلات والضمانات والتسهيلات لتشجيع التجارة، غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق هذه المؤسسات وحدها، بل على الدول الأعضاء أيضًا، من أجل الدفع بقضية التجارة باعتبارها عنصرًا أساسيًا ومحوريًا لخلق فرص العمل.
وأكدت أن المفكرين وصنّاع السياسات والأطراف المؤثرة عليها دور كبير لدفع هذه الأجندة قدمًا، سواء داخل الحكومات أو في إطار الاتحاد الإفريقي، أو داخل منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الدولية، من أجل إبقاء هذه الرسالة حية، والتأكيد على أننا أحرزنا تقدمًا بالفعل، قد لا تكون وتيرة هذا التقدم بالسرعة التي كنا نطمح إليها، لكن لدينا اليوم عوامل خارجية يمكن أن تشكل محفزًا لمزيد من التعاون وتسريع وتيرة الإصلاح.
وأشادت بجهود وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، التي نجحت في خلق توافق بين وزراء التجارة في إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، حول قواعد المنشأ، خاصة بقطاعات المنسوجات والملابس وكذلك السيارات وأجزائها، بما يُعزز التجارة البينية بين دول القارة، وهو ما يعكس الجهود المصرية المستمرة لتحقيق التنمية بالقارة وتشجيع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول المختلفة.
كما أشارت إلى انضمام مصر لنظام الدفع والتسوية الأفريقي الذي يسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول القارة.
كما تطرقت، إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تُعد عنصرًا محوريًا في استراتيجية مصر الخاصة باتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية وسلاسل القيمة الإقليمية، حيث تجمع بين القدرة على الإنتاج الصناعي والخدمات اللوجستية عالمية المستوى في نطاق جغرافي واحد بما يسهل على الشركات استيراد المدخلات، وإضافة القيمة، وإعادة التصدير بسرعة إلى الأسواق الأفريقية.
وتابعت: أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل المنصة التي تحول “التكامل” إلى واقع تجاري حيث تقلل زمن الوصول إلى السوق، وتدعم الإنتاج على نطاق واسع للقطاعات القابلة للتداول، فضلًا عن أنها تساعد مصر على العمل كنقطة تجميع ومعالجة وإعادة شحن تنافسية تربط الموردين والمستهلكين في أفريقيا عند اقترانها بالجمارك الرقمية وتيسير التجارة.
مستقبل النمو
في سياق آخر، شاركت الوزيرة في جلسة رفيعة المستوى بعنوان «مستقبل النمو»، لمناقشة التحولات الجارية في النظام الاقتصادي العالمي، في ضوء انحسار مرحلة من عدم اليقين العميق، وبروز ملامح نظام اقتصادي جديد، للتعامل مع التحديات العالمية المتشابكة.
وشهدت الجلسة مشاركة رفيعة المستوى لعدد من كبار صناع السياسات والخبراء الاقتصاديين الدوليين، من بينهم: جيتا جوبيناث أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، وريكاردو هاوسمان الخبير الاقتصادي العالمي ومؤسس ومدير مختبر النمو بجامعة هارفارد، إلى جانب أكاديميين بارزين من جامعات ومراكز بحثية دولية، ورؤساء مؤسسات مالية وشركات عالمية، فيما أدارت الجلسة سعدية زاهدي، المدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي.
وأكدت رانيا المشاط، أن المناقشات سلطت الضوء على انخفاض مستويات الجاهزية للمرونة الاقتصادية عالميًا، مشددة على أن المرونة لم تعد مفهومًا دفاعيًا، بل شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمار وتعزيز الإنتاجية والتنافسية.
واستعرضت التحول الجاري في مسار النمو الاقتصادي المصري، مؤكدة أن النمو لم يعد يُقاس فقط بمعدلات التوسع في الناتج المحلي الإجمالي، وإنما بجودة النمو واستدامته وهيكله.
وأشارت إلى أن الاقتصاد المصري ينتقل من نموذج اعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية، إلى نموذج نمو قائم على الإنتاجية، والتعقيد الاقتصادي، وخلق القيمة المضافة.
• جلسة رفيعة المستوى حول تحفيز رؤوس الأموال لدعم التحول الأخضر وتمويل المناخ
كما شاركت وزيرة التخطيط، في جلسة رفيعة المستوى حول مبادرة GAEA التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي، حول تحفيز رأس المال لدعم التحولات في مجالات المناخ والطبيعة والطاقة.
حيث استهدفت الجلسة مناقشة حشد وتوجيه رؤوس الأموال التحفيزية وتسريع الشراكات بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات التنموية لدعم جهود العمل المناخي وحماية الطبيعة وتسريع التحول في قطاع الطاقة.
وأكدت رانيا المشاط، أن احتياجات تمويل العمل المناخي في الأسواق الناشئة هائلة، لا سيما عند مواءمتها مع الأهداف العالمية للتخفيف من الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ.
كما اكدت أنه ينبغي على الحكومات التركيز على نماذج “التمويل المختلط” لتقليل مخاطر استثمارات القطاع الخاص في المشروعات الخضراء.
وأشارت إلى أن آليات التمويل المختلط، بما في ذلك التمويل الميسر، والدعم الفني، وأدوات الحد من المخاطر، تسهم في تقليل المخاطر، وتعزيز الجدوى الاستثمارية، وجذب رؤوس الأموال الخاصة التي غالبًا ما تتجنب الاستثمارات المناخية في مراحلها المبكرة أو ذات المخاطر المرتفعة.
واستعرضت الوزيرة، الجهود التي تقوم بها مصر لتعزيز العمل المناخي من خلال المنصة الوطنية لبرنامج “نُوفّي” والتي أصبحت منصة رائدة إقليميًا وعالميًا، يستشهد بها في التقارير الدولية باعتبارها واحدة من المنصات التي تجمع بين صياغة وتنفيذ وتمويل المشروعات، بالتنسيق بين الحكومة وشركاء التنمية والمؤسسات الدولية وكذلك القطاع الخاص.
وأكدت أن التطور الذي تحقق في مجال الطاقة المتجددة منذ إطلاق البرنامج ساهم في الترويج للفرص الكبير التي تمتلكها الدولة بقطاع الطاقة المتجددة، وعزز قدرتها على الوصول لمستهدفها بتوليد 42% من الطاقة عبر الطاقة المتجددة.
وأشارت إلى ما شهدته مصر مؤخرًا من افتتاح مشروع أوبليسك أحد أكبر المشروعات في مجال الطاقة المتجددة.
وذكرت أن منصة “نُوفّي” التي تم إطلاقها في 2022 بهدف تسريع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 والمساهمات المحددة وطنيًا المحدثة، والانتقال من التعهدات إلى التنفيذ العملي؛ تعتمد على آليات التمويل المختلط، من خلال الجمع بين التمويل العام والخاص والميسر، إلى جانب الدعم الفني والشراكات متعددة القطاعات.
وتابعت أن البرنامج ساهم في زيادة شهية المستثمرين حول قطاع الطاقة المتجددة، كما تمكن من حشد تمويلات بقيمة 4.5 مليار دولار لمشروعات الطاقة النظيفة بهدف تسريع تنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بقيادة القطاع الخاص، لتنفيذ مشروعات بقدرة 5.2 جيجاوات، بينما وصلت الطاقة الإجمالية التي تم توقيع اتفاقيات شراء لها 8.25 جيجاوات، من إجمالي 10 جيجاوات يستهدفها البرنامج.
ونوهت بأنه حتى الآن تم إيقاف تشغيل 1.3 جيجاوات من محطات الطاقة الحرارية التقليدية، من إجمالي 5 جيجاوات مستهدفة، بالإضافة إلى تعزيز البنية التحتية لشبكات الكهرباء، بدعم تمويل ميسر بقيمة 367 مليون يورو، لضمان جاهزية الشبكة لنقل الطاقة واستقرار النظام الكهربائي.
وأكدت المشاط، أن مصر استطاعت توظيف آليات مبادلة الديون من أجل التنمية مع الشركاء الثنائيين ممثلين في إيطاليا وألمانيا من أجل تعزيز الاستثمارات المناخية خاصة في قطاع الطاقة ببرنامج “نُوفّي”، وتنفيذ مشروعات في العديد من قطاعات التنمية.
واشارت إلى أن الوزارة تعمل مع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي على التوسع في ضمانات الاستثمار للقطاع الخاص بما يتيح المزيد من الآليات التمويلية.